مفهوم اللسانيات في فكر دي سوسير
اعتبر دي سوسير اللسانيات بمثابة دراسة اللغة في جوهرها وفضلها، حيث يركز على اللغة الإنسانية بصفة عامة، مما يعني أن الباحث يجب أن يقارب هذه اللغة كما هي دون أي تعديل على طبيعتها. وبهذا، يسعى إلى دراسة اللغة بشكل موضوعي يهدف إلى كشف حقيقتها وجوهرها.
يقول دي سوسير: “اللغة هي نظام من العلامات يُعبر عن أفكار. ولذلك يمكن مقارنتها بالكتابة، أو بأبجدية الصم والبكم، أو بأشكال اللياقة، أو الإشارات العسكرية، أو الطقوس الرمزية، وغيرها… لكن تظل اللغة هي الأهم بين هذه الأنظمة على الإطلاق”.
الثنائيات في اللسانيات وفق دي سوسير
تميّز دي سوسير بأفكار مبتكرة من خلال محاضراته، حيث قام بتفريق عدة مسائل ثنائية متعارضة، منها:
ثنائية (لسان، كلام)
قام دي سوسير بالتفريق بين ثلاثة مصطلحات كما يلي:
- اللغة
تشير إلى الملكة الإنسانية التي تشمل قدرات فطرية متعددة تسمح بتحقيق الكلام، كما تعتبر نظاماً نظرياً يحتوي على قواعد اللغة، أو هي منظومة من العلامات تُعبر عن فكرة معينة.
- اللسان
يمثل النظام التواصلي الذي يمتلكه المتحدث، ويعتبر جزءاً متحققاً من مفهوم اللغة الإنساني الواسع. كما أنه يبقى نظاماً اجتماعياً مُكتَسبًا يتعارف عليه ضمن جماعة معينة، مثل اللسان الفرنسي أو العربي.
- الكلام
يُعتبر فعلاً فردياً متعلقاً باللسان، ويتضمن ما يتسم به أداء الفرد من سمات شخصية، وهو بمثابة تحقيق فعلي لقواعد اللغة.
ثنائية (دال، مدلول)
الدال يشير إلى اللفظ، أي الصورة الصوتية للكلمة، في حين أن المدلول يعبر عن المعنى، أي الصورة الذهنية. حيث أن المدلول يتصل بالدال، وبالتالي فإن الوصول إلى المعنى يتم من خلال الربط بين الصورتين: اللفظية والمفهومية، مما يتيح لنا فهم المعنى.
ثنائية (تزامن/ تعاقب)
يمثل اللسان نظاماً تواصلياً يمتلكه كل فرد ينتمي لمجتمع ذي خصوصيات ثقافية وحضارية متجانسة. وينظر دي سوسير إلى الظاهرة اللسانية على أنها قابلة للدراسة من خلال إحدى الطريقتين التاليتين:
- الدراسة في زمن محدد (التزامن)
تعني الدراسة التي تُجري في فترة زمنية معينة، وتشابه النظام التزامني الوصفي.
- الدراسة عبر مراحل زمنية متتابعة (التعاقب)
تشير إلى الدراسة التي تتم عبر مراحل زمنية مختلفة، وهذا يشابه النظام التعاقبي والتاريخي والتطوري.
ثنائية (استبدال، توزيع)
فرق دي سوسير بين المجموعات اللغوية في الذهن، وهو ما يُعرف بمبدأ الاستبدال، بالمقارنة مع المجموعات اللغوية الحاضرة ضمن الجملة، والتي تُعرف بمبدأ التوزيع. كما أوضح أنه لفهم أي معنى، يجب أخذ المحورين بعين الاعتبار: الاستبدال والتوزيع.
على سبيل المثال: عند قولنا “سقطت طائرة مروحية قرب المطار”، فإن معنى “الطائرة المروحية” يتلقاه المُتحدث من نسق الجملة (المحور النظمي)، في حين أن معناها الذي لا يُعبّر عنه النسق يُستفاد من كلمات أخرى على المحور الاستبدالي مثل: طائرة ركاب، طائرة حربية، طائرة شراعية، وطائرة نفاثة.