وصف حال الظالمين يوم الحساب
بعد أن أشار الله -تعالى- إلى تصرفات الكافرين وتأثير تبديلهم لنعم الله، يستهلّ ربنا هذه الآيات بما يتناسب مع ما قبلها، ضمن نسق القرآن الكريم في التناسب. ويذكر عاقبة الظالمين بأسلوب يُعيد للظالمين الصواب ويُطمئن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، حيث يقول الله -تعالى-: (وَلا تَحسَبَنَّ اللَّـهَ غافِلًا عَمّا يَعمَلُ الظّالِمونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُم لِيَومٍ تَشخَصُ فيهِ الأَبصارُ مُهطِعينَ مُقنِعي رُءوسِهِم لا يَرتَدُّ إِلَيهِم طَرفُهُم وَأَفئِدَتُهُم هَواءٌ).
ينهي الله -تعالى- النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الاعتقاد بأن الله -تعالى- غافل عن ظلم الظالمين، فالعدل الإلهي لا يغفل عنهم؛ إذ أمهلهم ليوم عظيم يكون فيه الحساب. في يوم القيامة، سترتفع أبصارهم مفتوحةً، لا يطرفون من هول ما يرونه.
ويزيد الله -تعالى- في وصف حالهم في ذلك اليوم، حيث يقومون من قبورهم مسرعين إلى المحشر، رافعي رؤوسهم، وعيناهُم مفتوحتان لا يرمشون من شدة الهول والدهشة، بينما قلوبهم فارغة من الوعي، في حالة من الخوف الشديد。
بعد تأكيد الله -تعالى- على علمه بأعمال الظالمين ومحاسبتهم عليها، يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحذير الناس، وخاصة الكافرين، من يوم عسير سيأتيهم ليتحقق فيه جزاؤهم. حيث قال -تعالى-: (وَأَنذِرِ النّاسَ يَومَ يَأتيهِمُ العَذابُ). هذا اليوم قد يشار إليه بثلاث صور:
- يوم القيام من القبور للحساب، الذي يُعرف بيوم القيامة.
- يوم الموت، وما يتبعه من عذاب سكرات الموت.
- يوم العذاب العاجل في الدنيا، كما حدث مع الأمم السابقة.
رد حيلة الظالمين الأخيرة
يسعى الظالمون إلى النجاة من مصيرهم باستخدام أساليب جديدة من الكذب والمكر، وكأنهم مندهشون مما حدث لهم، رغم أنهم تلقوا رسلًا وآيات تحذرهم من العذاب وتمنحهم الفرص للتوبة، لكنهم أصروا على الكفر.
فيكون أول رد من الله -تعالى- إليهم عبر توبيخ من لسانهم: (أَوَلَم تَكونوا أَقسَمتُم مِن قَبلُ ما لَكُم مِن زَوالٍ). بمعنى: ألم تكونوا قد أقسمتم بشدة على عدم زوال حالتكم وأنكم لن تُبعثوا بعد الموت؟ والآن، لماذا لا تغتنمون الفرصة التي تجيبكم؟
لقد مُنحتم فرصة خلال إقامتكم في المدن التي عانت من عذاب من كفر قبلكم. قال -تعالى-: (وَسَكَنتُم في مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَموا أَنفُسَهُم وَتَبَيَّنَ لَكُم كَيفَ فَعَلنا بِهِم)، فقد كان حالكم واضحاً يومئذ من حال الأمم التي سبقتكم. كيف سيكون حالكم في عذاب يوم القيامة؟
(وَضَرَبنا لَكُمُ الأَمثالَ)، فقد أمهلناكم عندما لم تعتبروا بمصير الأمم السابقة، فقد ضربنا لكم أمثلة في آيات الله -تعالى- ومصير أولئك الذين كانوا عاصين.
شدة مكر الظالمين في الدنيا
يقول الله -جل وعلا-: (وَقَد مَكَروا مَكرَهُم). فقد اقتدوا بمكر الظالمين من قبلهم بدلاً من الاعتبار منهم، إذ مكروا مثلما مكر الذين سبقوهم في الكفر. والله مُطّلع على مكرهم وما يخططون له، وهذا هو وقت محاسبتهم.
(وَعِندَ اللَّـهِ مَكرُهُم)، مما يعني أن الله -تعالى- قد أعدَّ لهم جزاءً من نوع مكرهم في الآخرة يفوق كل ما صنعوه في الدنيا، وهو عذاب عظيم. جزاءً يليق بالأفعال، (وَإِن كانَ مَكرُهُم لِتَزولَ مِنهُ الجِبالُ)، فقد شبه الله -تعالى- المؤمنين بشدة إيمانهم بجبال راسخة في وجه مكر الظالمين، الذي كان يكاد يفتن المؤمنين بعقيدتهم.