استعراض تاريخ الدولة الحفصية
تلت هزيمة الموحدين في معركة العقاب بالأندلس عام 1212م فترة من ضعف الدولة، حيث تولى الحكم خلفاء غير أكفاء لم يتمكنوا من السيطرة على زمام الأمور. وعندما حاول هؤلاء استعادة النظام، واجهوا تحديات كبيرة من القبائل المغربية التي اكتسبت قوة متزايدة حول الأندلس.
نتيجة لذلك، تفككت الدولة وانهار سلطتها، حيث اقتسمت القبائل الحكم فيما بينها، فكان لبني مرين السيطرة على المغرب الأقصى، وبني زيان في المغرب الأوسط، في حين حصلت الدولة الحفصية على حكم تونس.
تأسيس الدولة الحفصية
تعد الدولة الحفصية الرابعة من الدول الإسلامية في تونس، وقد أسسها أبو زكريا الحفصي الذي ينتمي لإحدى القبائل ذات الأصول البربرية في أقصى المغرب العربي. كان واليًا تحت حكم الدولة الموحدية في تونس، ومع استغلاله للفراغ السياسي وضعف السلطة، أعلن استقلال تونس بدون أي مقاومة، لتدخل البلاد تحت حكم الدولة الحفصية.
امتدت مناطق نفوذ الدولة الحفصية لتشمل تونس وطرابلس وقسنطينة في الجزائر، وقد تم تقسيم الحكم إلى مناطق تتولى إدارتها مجموعة من الولاة ورؤساء القبائل، مع العلم أن هؤلاء الولاة كانوا من معارف الأمراء، مما أدي إلى ضعف شامل في إدارة الدولة.
الأسباب المُعينة على تأسيس الدولة الحفصية
كانت هناك العديد من العوامل التي دفعت أبو زكريا الحفصي لتأسيس الدولة الحفصية، ومن بينها:
- هزيمة دولة عبد المؤمن في معركة العقاب عام 1212م.
- رفض الخليفة إدريس المأمون من الدولة الموحدية التعاليم التي وضعها ابن تومرت وإزالة اسمه من الخطاب.
- مقتل الخليفة للعديد من المشايخ المعارضين من قبيلة الحفصيين.
استنادًا إلى تلك الأسباب، رفض أبو زكريا الحفصي بيعة إدريس المأمون وأعلن استقلال تونس تحت شعار الدولة الحفصية، حيث تمكن من إخضاع القبائل المجاورة لحكمه. كما بايعه أهل شرق الأندلس، واستنصره أهل بلنسية عندما تعرضت ل siege، حيث أرسل إليهم السفن المحملة بالمؤن والعتاد. ورغم ذلك، فإن المدينة أخضعت في نهاية المطاف للقوة المهاجمة.
علاقات الدولة الحفصية مع الدول الأخرى
مع تنامي نفوذ الدولة الحفصية في عهد الأمير أبو زكريا، ازدادت أهميتها في الأوساط المحيطة، حيث بذلت المدن طاقاتها للفوز برضاها. وكانت الدول الأوروبية في مقدمة من سعى لتوثيق العلاقات معها، خاصة من كانوا يسعون لتعزيز اقتصادهم وضمان الأمان لتجارتهم الملاحية. وقد عُقدت اتفاقيات متعددة بين الدولة الحفصية وكل من البندقية وبيزة وجنوة.
شملت هذه المعاهدات ضمان سلامة القوافل التجارية ووضع سياسات للتبادل التجاري، بالإضافة إلى الاعتراف بقناصل النصارى ومنع فرض المسؤوليات الجماعية على ممتلكاتهم. وقد تمكن أبو زكريا خلال فترة حكمه من تأمين خزينة الدولة بموارد مالية كبيرة، بينما أصبحت دولته ملاذًا للذين فروا من الأندلس بعد سقوطها، حيث ازدهرت الحياة في عهده واعتلوا المناصب قيادية في الدولة، مسهمين في إغناء الحضارة الرفيعة التي جلبوها معهم من موطنهم المفقود.