مفهوم الغيرية في الفلسفة
تعتبر الغيرية، أو كما تُعرف أيضًا بـ “حب الغير”، مفهومًا فلسفيًا قد طرحه أوغست كونت وتبناه لاحقًا هيربرت سبنسر. وقد أصبح هذا المصطلح شائعًا في الأدبيات الفلسفية، إذ يرتبط من الناحية الأخلاقية بفكرة نفع الآخرين بناءً على مبدأ الحب. وفقًا لما ورد في كتاب “العقيدة الوضعية”، يُعرّف هذا المفهوم بأنه شعور يدفع الفرد للحب تجاه الآخرين بغرض التغلب على الأنانية. يُشار إلى أن كلمات كونت تتضمن معاني: “الارتباط بالغير”، “الاحترام”، و”ممارسة الطيبة”، إلى جانب وجود بعد نفعية يُعتبر النفع المادي فيها مبدأً أخلاقيًا. ومن المهم التوضيح أن الغيرية تتناقض مع مفهوم الأنانية، الذي يُعتبر خُلقًا يُحدد إنسانية الفرد، سواء كان ذلك من خلال الفكرة أو الواقع الملموس. بمعنى آخر، يُعبر عن الشيء الذي يُميّز الإنسان ككائن إنساني عن الوجود الحيواني، ويرتبط بالجوهر الثابت والضروري في وجود الإنسان، وهو وعيه بذاته واستمرارية ذلك الوعي.
كونت ومفهوم الغيرية
استُخدم مصطلح الغيرية باللغة الفرنسية بواسطة أوغست كونت (1798-1857) في عمله “نظام الحكم الإيجابي”. وتم تناول هذا المفهوم في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر من قِبَل مفكرين كانوا متعاطفين مع أفكار كونت، مثل جورج إليوت وجي إتش لويس وجون ستيوارت ميل. وقد اعتبر كونت أن مشاعر الغيرية هي مشاعر فطرية، وهذا ما أشار إليه من خلال الأبحاث في علم الدماغ الحديث، مُعتبرًا ذلك أحد أبرز اكتشافات العلم المعاصر. وقد قارن بين هذا المفهوم وما قدّم من وجهة نظر مسيحية تُبين طبيعة البشر وميولهم نحو الأنانية.
كما كان لدى كونت أمل في أن تسهم مؤسسة الدين الإسلامي الجديد، القائم على فهم طبيعة الإنسان والمجتمع بشكل علمي، في تطوير الأمم المتحضرة إلى مرحلة يمكن فيها للغيرية أن تتفوق على الأنانية. واعتقد كونت أن أحد مفاتيح تعزيز مشاعر الغيرية يكمن في الاعتراف بأن النساء أكثر ميلاً للغيرية من الرجال بسبب غرائزهن الأمومية، مما يستدعي منحهن سلطة أخلاقية ودينية أعلى من الرجال. ولذلك، يُشجّع دين الإنسانية، كما أطلق عليه كونت، على تقدير الفضائل الأخلاقية الأنثوية وقدسية الأمومة.
أنواع الغيرية
تشمل مصطلحات الغيرية ثلاثة أنواع مختلفة هي: النوايا، والأفعال، والأيديولوجيات. من هنا، يمكن تصنيف الغيرية إلى ثلاثة أقسام، وهي: “الغيرية النفسية”، و”الغيرية الأخلاقية”، و”الغيرية السلوكية”. حيث تُعرّف الغيرية النفسية بأنها الميول أو الدوافع التي تهدف إلى مساعدة الآخرين. بينما تشير الغيرية السلوكية إلى الأفعال التي نقوم بها لفائدة الغير، مع مراعاة أن تكون هناك تكلفة معينة تقع على المحتاج. أما الغيرية الأخلاقية، فتعتبر سعادة الآخرين الهدف الأساسي لأفعال الفرد، وهي تُعتبر نقيض الأنانية الأخلاقية التي تدعو الفرد إلى البحث عن سعادته أولاً وقبل كل شيء.